تناقضات المواطنة

تم النشر 1 تعليق 163 مشاهدة 2021-11-08 01:38:08 خدمات تصميم


أكثر المفاهيم التي لاقت تضخمًا فارغًا في حياتي التعليمية هو مفهوم المواطنة هذا، منذ أن كان محصورًا في كناية تحية العلم كل طابور صباح..

أحسه مفهومًا مثل دواء السعال؛ كل الناس تكرهه، لكن لا بد منه على أي حال..

في السنين الابتدائية الأولى كان المفهوم مقتصرًا على التربية الدينية، التي كانت بطبيعة مدرسيها تخرج النصارى من الدائرة، فينزلونهم أثناء الحصص الدينية وتجعل المدرسة لهم حصصًا دينية مخصصة في "حوش المدرسة" لا الفصل مع بقية أقرانهم، وحصص التعليم الدينية كلها مردها إلى فترات ازدهار الدولة الدينية التي كان التفريق في جانب المواطنة فيها يتم - من حيث التطبيق - بناء على العقيدة، وذلك ما كانت ترسخه خطبة الجمعة في مسجد القرية، وبذلك كبُر إخوتي في الوطن المسيحيون وهم يتجنبون أقسام اللغة العربية في كليات الآداب والتربية لأن مردها يكون إلى الدين الإسلامي..

فأصبح مفهوم المواطنة في هذه المرحلة "من تحت لتحت" يساوي تمزقًا ثقافيًّا شنيعًا..

كبُرنا بعد ذلك واصطدمنا في المرحلة الثانوية بمادة - لا تضاف إلى المجموع النهائي - اسمها التربية الوطنية والمواطنة، كانت تؤسس للحقوق والواجبات، وتنص على الحريات المعروفة التي عُرفت إبان عصر النهضة الفرنسي ثم تبلورت بشكل خفي منها العولمة والعلمانية كتطور طبيعي، لكنّ مجتمعنا الحميد "رقص على السلم"؛ إذ تبنى البذرة ورفض أن تنمو إلى أوراقها الطبيعية، وأبى أن تتغلغل طبيعيًا، وأسس إلى حرية عقدية لا يتمّ التفريق فيها بين المواطنين على أساس الديانة، وأنك مصري قبل أن تكون مسلمًا أو مسيحيًا، بما يُشعِرك لوهلة أن الانتقال من المرحلة الابتدائية إلى الثانوية بهذه الصيغ الجوفاء عملية تُدفع دفعًا بأي منطق والسلام، ربما هو ذلك الذي أسس إلى فكرة أو نظرية "كلام الجرايد أو كلام المدارس"، وهي نظرية شعبية تقوم على التضاد الحاصل بين سطور الورقة وصخب الشوارع..

في نفس ذات المرحلة كنّا ندرس تاريخ مفهوم المواطنة في منهج الفلسفة، وابتداءه عند أصحابنا اليونانيين القدامى، وهو المفهوم الذي انتهينا فيه أنهم كانوا يخرجون العبيد من دائرته، ويقصرون المواطنة الصالحة على المواطنين الأحرار..

ثم جاء منهج علم الاجتماع وحسم المسألة، وأراد في النهاية أن يقول: يا ناس لا حلّ إلا العولمة، بما أن كل الأطر الثقافية لا تناسب المواطنة فلا ضرر من تذويب هذه الأطر تمامًا..

وكنت أحس أن المؤدبين لجؤوا إلى ذلك المصطلح ضيقاً بهذا المفهوم الذي طالما أشكل عليهم، ووضعهم في ورطة وتاريخ الشعوب المليء بعنصريات المواطنة..

ما لبثت بعد تمهل في النظر إلى هذه المعايير - التي توضع عليها المواطنة - أن شممت من كل واحد منها رائحة خلفية، كانت مواطنة الدولة المدنية مثلًا لا تعدو عندي مجرد "وضع يد" بالمفهوم العصري للتعبير، يمكن للقائمين عليها أن يستيقظوا في الصباح ويزيلوا الخط الأسود المعروف "بالحد الدولي" بالممحاة ويدخلوا البشر الجديدين في عرفهم، فيصبحون ذوي تاريخ لا عرق لهم فيه ولا لغة..

كما شعرت أن مفهوم الحريات ذاك - الذي طالما لم أبتلع مادته المعجمية - يداني في فلسفته زواج المتعة، أنا اليوم برازيلي مسيحي، ربما الشهر القادم أصبح يابانيًا وضعيًّا، ثم ينتهي المطاف بي وأنا مسلم موحّد أصبو رضا الله وأن أدخل الجنّة..

كم أزعجتني تلك المواطنة..



المشاركة تعني الاهتمام، أظهر إعجابك وشارك المنشور مع أصدقائك.


Ibrahim_20 أضاف تعليق
8 شهر

جيد جدا

الرجاء تسجيل الدخول للتعليق على هذا المنشور. إذا لم يكن لديك حساب، يرجى التسجيل.

© 2022 جميع حقوق استكتب محفوظة لشركة H2O4ID