سيرتي الذاتية ( المقطع الأول)

تم النشر 3 تعليق 367 مشاهدة 2021-06-29 20:09:00 خدمات تصميم

               بداية الرحلة   


أيقظني أبي قبل بزوغ فجر  ذلك اليوم من مستهل شهر شتنبر من سنة 1986 وما أن  فتحت عيني حتى خفق قلبي خفقات أشبه ماتكون بالمقبل عل اجتياز امتحان عسير . نهضت متثاقلا من فراشي و غصة الفراق تخنق حلقي ولم تترك لجرعات الشاي الذي أعددت أمي للفطور ممرا . أمي التي تستعد لأول مرة في حياتها لفراق ابنها البكر تحاول أن تكفكف دموعها و تتظاهر بالتحمل ورباطة الجأش تجلس قبالتي . عم سكون جنائزي أرجاء البيت لم يكسره سوى صوت أبي و نهيق الحمار الذي سنمتطيه مسافة ستة كيلومترات صاعدين الجبل لكي ننتظر قدوم الحافلة الوحيدة التي تمر من الطريق الوطنية من بني ملال صوب مراكش ومن تم  نستقل حافلة أخرى  في اتجاه مدينة ورزازات . عانقت أمي في جنح الظلام وأنا أودعها فأحسست بدموعها الساخنة تنهمر على كتفي فأجهشت ببكاء  هستيري و فاضت عيني بدموع حارقة مرفوقة بحشرجة تجثم  على صدري . هنا انتزعتني جدتي _  أمي الجديدة منذ هذه اللحظة  فهي التي سترافقني الى ورزازات لإتمام دراستي الإعدادية والثانوية هناك _  من أحضان  أمي وواستني ببعض الكلمات التي مازالت ترن في أذني لحد الساعة .

 انطلقنا وبدأت أنظر خلفي حتى تلاشى طيف أمي وسط الظلام ،

فاقتنعت حينها أنني قد أصبحت بمنأى عنها وأيقنت  أنني أضحيت أشبه ما أكون باليتيم . ولكم تمنيت لو أن أبي  قد نسي شيئا من أغراضنا بالبيت فيأمرني أن أؤوب إلى إحضاره لا لشيء إلا لأعاود معانقة أمي أشد ما يكون العناق ولأطول ما يسمح به الوقت علني أرتوي منها حبا و حنانا ورضا يشحنني همة وعزما ويكون لي خير معين في التخفيف من مرارة هذه الأيام الأولى من الفراق ، و حتى أطفىء بمزيج دموعي و عبراتها  لظى هذه الجمرة التي توهجت بين أضلعي ، عندما بلغنا أعلى أول مرتفع تراءى لي نور خافت وحيد وسط العتمة التي تخيم على القرية وزادها سوادا ما أشعر من حزن و أسى  ، لم يكن مصدر هذا البصيص من النور  سوى منزلنا القروي البسيط المشيد في جزء منه بالحجارة و المسيج في الناحية الأخرى بأكوام من الشوك و الحطب وبعض شجيرات التين والزيتون ...لن يخطىء حدسي حين أخبرني أن أمي هي من تزال مستيقظة و لعلها انفجرت بكاء و تفرغت للنحيب و اجتهدت في انتخاب أبلغ الألفاظ المعبرة عن لوعة الفراق ، والبوح بكل ماكانت تكتمه أمامي وفي حضوري ترفقا بقلبي الذي لم يجرب قط وطأة مثل هذه اللحظات ولم يسبق له عهد بمثل هذا الموقف الرهيب .

      بدأت الخيوط البيضاء من الخيوط السوداء من الفجر تظهر ونحن نشق الجبل الشامخ  من فج عميق و روائح أشجار العرعار والبلوط و نبات الزقوم ...تعطر الجو وتحملها نسائم الصبح العليلة . وصلنا إلى الطريق الرئيسية التي ستمر منها الحافلة وهي الأمل الوحيد لوصولنا إلى مراكش  .  

أنزلنا أمتعتنا : حقيبة قديمة بها ملابسي التي اشتريتها بعدما بعت ماجمعته من ثمار اللوز  خلال فصل الصيف بالسوق الأسبوعي و كيس به ملابس جدتي ونصيب عمي _ الذي سيأوينا في بيته _  من اللوز والزيت وبعض الحزم من الزعتر اليابس و أشياء أخرى .

 هاهي ذي الحافلة البيضاء تطل بمقدمتها من منعرج بهيبتها و جلالها و  بصوت منبهها الذي يتردد صداه بين هذه الجبال ....يتبع  (عبد القادر اوقرو )


المشاركة تعني الاهتمام، أظهر إعجابك وشارك المنشور مع أصدقائك.


Oukarou77 أضاف تعليق
12 شهر

يسرني أيها القراء الأفاضل أن أتقاسم معكم مقاطع من سيرتي الذاتية ، لاسيما منذ نجاحي في المرحلة الابتدائية من دراستي و انتقالي من بيت الأسرة بمدينة أزيلال المغربية إلى استكمال رحلة العلم بعيدا عن مسقط رأسي و بالضبط بمدينة ورزازات وهنا عشت طوال الرحلة أحداث ووقائع مثيرة أحببت أن أشارككم إياها .

Oukarou77 أضاف تعليق
12 شهر

سأنشر في كل مرة مقطعا من مقاطع سيرتي الذاتية و أتمنى تشجيعاتكم .

Mouad2004 أضاف تعليق
12 شهر

بداية ممتازة لاتبخل علينا بالجديد 

وفقكم الله

الرجاء تسجيل الدخول للتعليق على هذا المنشور. إذا لم يكن لديك حساب، يرجى التسجيل.

© 2022 جميع حقوق استكتب محفوظة لشركة H2O4ID